الجمعة، 8 سبتمبر 2017

في البداية - ١ بقلم الشاعر إبراهيم العمر.

في البداية - ١
بقلم الشاعر إبراهيم العمر.

في البداية، كان هناك حالة من الفوضى .
بدأت الأرض ترتعد
ووجدت نفسي منسلخا ووممزقا ,
منقولا , مبعدا عن أبي ,
عن عائلتي وأهلي , وعن باقي الأرخبيل ..

روحي وأفكاري تشتّت , لفترة طويلة ,
على شواطئ المحيطات التي لا نهاية لها .
كانت العواصف متكررة , وما زالت الى اليوم ,
ولا أدري كيف تمكنت من الصمود والبقاء دون أن أتفكك ..

ثم ساد الصمت . هدأت العناصر .
ليس على الفور ,
كأن ذلك استغرق آلاف السنين ,
أو ربما عدة عصور !!

لم أعد أتفكك وأتحلحل .
وجدت نفسي مرميا على صخرة ,
تحيط بي المياه , تلك هي بيئتي الطبيعية .
كنت وحيدا .
كان عندي الوقت لكي أبكي كل تلك الدموع المالحة ,
وكان جسدي من الرمل الممدّد على الشواطئ ,
أمّا الآن , فأنا أتذوّق طعم الوحدة والعزلة .
-------------------------------------------

في البداية - ٢
كنت عالقا في تلك المجموعة الصغيرة من جزر طفولتي ,
وغالبا ما تمنيت أن تحصل كارثة تكسر هذا التعّلق .
أخيرا , حصل هذا الإنكسار ...
ها أنذا , وحيدا , وسعيدا بوحدتي .

الأيام تمتد ببطء تحت أشعة الشمس .
ثمة عوائق من الشعاب المرجانية تراكمت ,
وحمت احتجاجاتي من اعتداءات البحر .
تركت نفسي أفرش البحر بنسيج من الذهب .
بلا مبالاة .
الأمطار النادرة كافية لتلبية الإخضرار ,
واحتياجات الحياة البرية المولودة على جسدي ,
قوارض , لا فقاريات , والكثير , الكثير من الطيور .

لقد تآمروا عليّ :
إذ بإمكانهم أن يطيروا ليصلوا إليّ بأعداد كبيرة ,
كانوا , في بعض الأيام يغطّوني ,
وصراخهم يحدث خللا في التواقيت الطبيعية لنظام نومي ,
وكأني في أرض أخرى , ليست بعيدة كثيرا عن الأولى .
من الممكن أن أكون في أرخبيل ,
يشبه أرخبيل طفولتي .
ولكنني أحرص جيدا عن الإنسلاخ عنه حتى يتسنى لي الإقتراب منه ,
لن أتخلى بسهولة عن هدوئي وطمأنينتي .

اعتمدت على عناصر متنوعة خلال سنين ,
الى أن تغييرا في سلوك الطيور جاء ليحذّرني .
أقّل زعيقا ,
أقّل نقيقا ,
أقّل ريشا ,
أقّل بذورا ,
أقّل أعشاشا ,
وأقّل بيوضا ...
أقّل عصافيرا !
ولكن لماذا , الجميع , قد رحلوا ؟

------------------------------------------------
في البداية - ٣
أخذت بعض الوقت لكي أدرك بأنني قد هرمت بمفردي ..
حسنا .. ! لم أهرم كثيرا ..
حياتي الفطرية هربت مني ,
لأن طبيعتي ,
لم تكن أيضا بتلك الخصوبة
بحيث أنه في شبابي لم تكن كافية لتكوين تراكيبها .
أشعر بأنني مسلوخ البشرة ,
جافا ,
وليس في غاية الوسامة .

شهيتي للعزلة خانتني .
منذ بعض الأوقات في أماكن أخرى ,
رأيت نفسي أرحل :
احتجاجاتي تقلّصت ,
تآكلت مع الأمواج القوية التي أبدا لم توقفها الشعاب المرجانية .
نباتاتي لجوز الهند لم يكن لها أبدا رؤوس ...
فقد قطّعت رؤوسها الأعاصير !

الجفاف قد أتى على كافة ينابيعي .
كان يجب أن أعمل نموذجا تعيسا وسط المحيط .
والآن أنا أحلم بهذا النموذج :
لم يطأ شواطئي بأية خطوة فاتحة ,
أي بحّار مغامر .
آه , يا آلهي , أنا أدفع ثمن وحدتي !

أبي , أمي , اخوتي الأعزاء , جزري الصغيرة العزيزة , أين أنتم ؟
كان الحزن شديدا ,
لدرجة أنني عقدت العزم على الذهاب للبحث عن أرخبيلي الضائع .
وحتى لو كان عليّ أن لا أجد أقربائي ,
سأتوقف عند أول جزيرة مرجانية تصادفني ..
سوف أطلب منهم المساعدة ,
سأندمج بحكمة في نظامهم البيئي ,
دون أن أحدث أمواجا ,
مثل جزيرة صغيرة لطيفة من مجموعة الجزر التي أعيش فيها .

ولكن كان عليّ أن أتعلّم على حسابي ,
بأنه لا يمكن , بكل تلك السرعة , التخلّص من رواسب الماضي
رغم كل جهودي للتمّلص من محيطي ,
بقيت مجمّدا على كاحلي ,
مسمّرا على صخرتي .
قد أتحرك عدة سنتيمترات من مكاني ,
ولكن ليس بوسائلي الخاصة ,
قد أحتاج الى زلزال لينزاح كياني ,
يبدو أنّ ذلك قد يحصل ,
في النهاية ,
ها أنذا , أنتظر .
لوحدي .

ـــــــــــــــــــــــــ
ابراهيم العمر .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق