الأحد، 9 يونيو 2019

النفاق وسيلة أم غاية ؟! بقلم الدكتور محمد القصاص

النفاق وسيلة أم غاية ؟!
بقلم
الدكتور محمد القصاص
مع أنَّ النفاق هو مطية العاجزين ، إلا أنني حاولتُ عن نية طيبة وسذاجة أن أسلكَ دروب النفاق لكنني فشلتْ ، حاولتُ مرارا ولكنَّ أسلوبي لم ينجح ، وأعتقد بأن من يعرفني على يقين بأنني لم أفلح يوما بإتقان التملق والمداهنة أو الظهور بغير ثوبي النظيف الطهور ، لأنَّ بعض المَوروثات التي اعتدتُ عليها كنتُ قد رضعتها من المهد ، ولهذا فلم تُتِحْ لي ولو فرصةً واحدةً كي أكونَ منافقا .
معظمُ الدلائل والمؤشرات ، تُبرهن على أنَّ المنافقين في هذه الأيام كثرٌ ، وهم دائما في الواجهة الأمامية ، إذ نرى وجوهَهُم تطلُّ دائما مباشرة وفي مقدمة كل الناس ، لكنها تظهر بشكل ممجوج وممسوخ ، لا شكَّ بأنهم يعلمون بأن أماكنهم ليست هناك ، فلا المكان ولا الزمان مناسبان لهم ، ومع ذلك لا يتورعون عن فرض أنفسهم على كل واقع نراه في حياتنا اليومية .
ومن العجيب بأن المنافقين لا يصبهم مللٌ أبدا ، ولا يوثِّر بهم وقعُ الكلمات ، ولا حتى إشاراتُ الاتِّهام وعباراتُ التلميح والتوضيح في كثير من الأحيان .
ومع كل ذلك ، نجدهم يتسابقون دائما وبكل وقاحة لاحتلال الصفوف الأمامية في كل المناسبات التي تعنيهم والتي لا تعنيهم ، فنراهم يتسللون خلسة ، إلى حيث يجلسون في مقاعد من المفروض أنها أعدت للمفكرين وأصحابَ الرأي والحلِّ والربط ، لكنهم يحتلون أماكن العظماء وهم يعلمون بأنهم بلا مؤهلات ، وبلا مسوغٍ قانوني يعطيهم الحق أو الإمكانية لكي يعتدوا على حقوق غيرهم من الخلق .
ليس هذا فقط ، بل ومن المؤسف حقا أنَّنا نجد لهم أنصارا مؤيدين في كل محفل وفي كل مناسبة ، وكأن القوم أصبحوا جميعا منافقين .
لا شكَّ إن تلك الواجهات الكاريكاتيرية ، لن تدوم طويلا ، ومع هذا فإنهم فعلا يشوهون الوجه الحضاري للثقافة والفكر والوعي ، فهم بذلك يتسببون بتحييد أصحاب الفكر والرأي والحجا ، وإبعادهم عن أمكنتهم ، وقد تساعدُ الظروف بإبعادهم عنوةً عن مواقعهم التي يُفترض أن يكونوا فيها ، ومن يدَّعي بأن أصحاب الفكر همُ اليومَ مجردَ أدواتٍ لا يمكن أن تؤثر في مسيرة الحياة الثقافية ولا الفكرية ، ولم يعد أمام المجتمعات مجالا للانتفاع بهم أبدا ، فهو يمثل عصبة من الجهلة والفاسدين والمنبوذين والذين يحاولون أن يثبتوا وجودهم ولو على حساب الآخرين ، بل ويصلوا إلى أماكن ليست لهم ، ولو أهرقوا ماء وجوههم أو تنازلوا عن كرامتهم وكبريائهم وعزة نفوسهم .
يرضيني عن نفسي بأنني هنا لم أذكر إنسانا بعينه ، لكني أتمنى على كل منافق أن يدرك بأنه هو المعني بكلامي هذا ، وأتمنى أيضا أن يرجع عما هو فيه من عبث واستهتار بشكل نهائي ، وأن يكف عن محاولاته المعيبة لإثبات وجوده عنوة وبغير عقلانية ولا وجه حق .
وليعلم الجميع بأنْ لا المناصب ولا الاستعراض ولا الثراء ولا الهيئات ولا الملابس قد تغير من طبيعة الإنسان التي انفطر عليها ، فمن ولد حقيرا وتربى حقيرا ، سيعيش كل حياته حقيرا ، وسيشيع إلى قبره حقيرا ، ولا أدري إن بعثه الله يوم القيامة حقيرا ؟! .
من أسوأ الأمور أن يقوم كل صاحب الشأن بتجاهل المفكرين وأصحاب الرأي لسببٍ أو بغير سبب ، ولدوافع مبررة أو غيرِ مبررة ، وما أكثر الدوافع غير المبررة ، فالحسد والحقد والغيرةُ كل هذه من الأسباب التي توصِلُ أصحابها إلى تجاهل أرباب العقول والفكر، والذهاب للتسلح بأصحاب المظاهر الجوفاء والعقول الفارغة التي لا هم لهم سوى الاستعراض والعرط والسعي إلى الولائم بشرهٍ ووضاعة ، في كل مناسبة تافهة كانت أم عظيمة .
نصيحتي لكل منافق دجال وجاهل ومدَّعٍ ومدَّاحْ ، ولكلِّ من يُظهر غير ما يُبطن ، أن يربأ بنفسه عن الصغائر ، وأن ينأى بما تبقى لديه من كبرياء واحترام عن كل حقارة ووضاعة واستخفاف ، وليكن على يقين بأنَّ المظاهرَ ما كانت أبدا لتكون سببا من أسباب عزَّتهم ورفعتهم ووقارهم حتى في بيوتهم وما بين أبنائهم ، فالمنافق دائما باهتُ الوجه ، ضعيف الشخصية ، سمج الأخلاق ، ذو ملامح تدل على الوضاعة والحقارة والتفاهة ، تفرض واقعها عليه شاء أم أبى ، والله من وراء القصد ،،،،،

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق