هذا هو الجزء الحادي عشر من روايتي المخطوطة "ليتني ...أشرب بخيالك" و فيه نواصل حكاية الأستاذة ..متابعة طيّبة
‹‹ تنقضي الأيّام ما أسرَعها تأكُلُ الأعمار أَكْلًا وتحفُر في الأجساد أَمْرَاضا وعِلَلاً كالنّمل تحفر مَسْكَنًا فيه تجتمع وتبيض وتفقس وتأكل ما خَزَّنَت حتّى إذا خَلاَ الغَار مِمّا جمّعت تركته خاليا تَهَسْهَسَتْ جُدُرَانُه وتخرّبت مَسَارِبُه وأضحى آيلا للطّمر لِأدقّ حَافِرٍ تصادِفُه أو أضعف قَطْر فيغمره. وتنتقل النّمل من غَارٍ إلى غَارٍ كالأمراض من جِسم إلى جِسم تُيَبِّسُه أو تُحلِّلُه. ويَلوي في ذلك الإنسان عُنُقَه إلى ماضيه فتتراءى لهُ الأشياءُ دقيقةً رؤية من يُريدُ أن يَفْحَص مَوجًا في أفق أو كَمن يُريدُ أن يتلمّس سَرَابًا بِيَدٍ، ويُبْصِر حَوْلَهُ فيرى الزّمنَ يَفْتَكُّ مِنه ساعَته يُلقيها إلى ذلك الماضي يدفنها فيه ويجمعها إلى غيرها رَمَادًا رُكاما، ويدفعه إلى مُسْتَقْبَلٍ سُرْعَان ما يجتمع إلى حَاضِرٍ يَجبدهُمَا الماضِي إليه مَعًا فيُلغِيهما. فيتأرجح ذلك الإنسان بين نقطة حاضرة عابِرة يجذبها الماضي سريعًا إليه فتصير مِنه وبين لحظة آتية لا يدري مُدَّتها ويضيع العُمر بين ذاك وذاك، دَفْنُ عُمر ورجاء بقيّة مِنه.
وتغتمُّ الذات بين تلك الأزمنة : رائح يجذب إليه قَهْرًا حَاضِره ويَبْتَلِعُه وآتٍ تُمَنِّي النفسُ ذاتها كَذِبًا بالكذب. وتنقضي الأيّام وتُؤْكل الأعمار... ››.
تفاجَأ أخي أعرجُ الذّهن حين رأى مَا كَتب في وَرقةٍ صغيرةٍ أَعْطَانيها مُنْذُ أيَّام عَلَّ رأيًا لِي فيها يظهر، قد عُلِّقَتْ إلى جِدَارِ سبّورة بقاعة الأساتذة بخطّ مَرقوم على ورق كبير. وقَدْ خُطَّ تحتها : "الذاتُ الفاعلةُ والوجودُ".
ورأى أخي بعض الأساتذة بين قارئ مُعْجَبٍ وبين رَافِعٍ حَاجِبَيْه مُمِيل رأسه إلى كَتِفٍ وبين مُسْتَغْنٍ عنها لا يَعْبَأُ. فنظر إليَّ نظرة استغراب واستفهامٍ فأخبرتُه أنّ صديقنا "الفوزي" قَدْ استلمها مِنّي حين كنتُ أرَاجِعها فظنّ أنّها خاطرة لي في الوجود وفي العَدَمِ، فَفَعَلَ بها ما فعل فهي حيثُ ترى. وحين سُئِلَ أخي في ذلك تَمَلَّصَ ونزعَ عنه جِلْدَه وقال هي لأخي.
يُقَال إنّ من العلوم الرّوحانيّة أو الحِكم أو المشاهد الربّانية أو انبعاثات الأنوار الإلهية، أو مِمّا قد يُؤتَى للساحر من سحر أو مِمّا تزعمه الصّوفيّة ما قد يُوهَبُ مِن الصّدر إلى الصّدر قبل أن تعرج الرّوح إلى خالِقها. ويبدو أنّ صديقنا "الفوز" كان مِمّن شهد معراج روح "سِيدْنَا" المسعدي إلى السّماء وهو الذي كانَ يُلقِّنه الشهادتين ذُخْرًا له في القبر حين كان مَلِكُ الموت يعصره فكان "فوزي المُريد" يَحُضُّ سيّدَه حَضًّا على النّطق بهما وكان مَلِكُ الموت يمنعه ويخُضُّه خَضًّا فسارع التلميذ يُبَلِّلُ شَفَتَيْ المعصور والمخضوض بقطرات من كأس يُقَالُ بها ماء بارد لذّة للشاربين، ثمّ مَصَّ مَا بِها فانتقلت هموم المسعدي كلّها إلى نفس وعقل وروح ولسان صديقنا "الفواز الأعظم" وتلبّست بِه.
كان فوزي مَهْوُوسًا بالذات والوجود والعدم والفناء، ما تحدّث إلاّ عن ذلك وما نطق إلاّ بها تَخَالُهُ المسعدي مَازَال يتدرّبُ ويتمرّنُ، فهو سَاقط في هُوَّةٍ لا قرار لها. يقرأُ صفحة مِنْ كِتابِ الصّغار فيكتُبُ عنها عَشْرًا ويحدّثك بها وبما كتب شَهْرًا ويغرق السّامع في المأساة عُمُرًا. وقد يقف عند لَوْحَةٍ قديمة مُعَلَّقة إلى جِدَارٍ بمقهى بها رسم رجل عجوز منكّس الرأس يشرب ماء أو خمرًا وينفث من فيه دُخان جَمْر وينظر شَزَرًا فيرتدّ النظر إلى "فوزي" حسيرا مكلوما قد شرب اللّوحة واكل خشَبَها فخلَّطَ الوجودية بالسّريالية وانْتَزَعَ مِنَ السّريالية الواقعيّة وخلُصَ إلى الملهاة يشرح صدرها عن المأساة وانتهى إلى العبث والفناء...
رأى "فوزي" في تلك السّطور بعْضًا من ضالّته واهتدى برأيه إلى أنّ الجهد الإنساني لا يتحقّق وأنّ الحياة عبث وأنّ سَعْيَ الإنسان إلى هباء. فَرَقَنَ على ورق كبير بخطّ عريض وعَلَّقَ على السبّورة. واستَحْيَى أخي أن يسأله وتردّد كثيرًا ثمّ اجتمعت فيه جُرْأة فقال له :
- أوُجوديّة المسعدي فلسفة؟ أم المسعدي محمول على الوجودية أُقْحِمَ في الفلسفة؟ وهل وجوديته مؤمنة؟
فالتفتَ إليَّ صديقنا الفوزي أنكر على أخي ما يقول ويزعم، وكالحافظ سِرًّا مِنْ عِلْم قال :
- مَا لِأخيك؟ ألَمْ تلحظ عينُه في الكتاب النّورَ في الأفق؟ أما رأى نور الشّمعة؟!
فوضَعَ أخي رَاحَة يده على عينه اليُسرى وقال :
- أرى جيّدًا، فأرى مسيرة خاطئة لها خاتمة كاذِبة حسّنَتْها عبارة مسروقة ونفخ فيها تلاميذ صِغَارٌ.
فسكت "فوزي" بَهْتَةً وجَمَّعَ في نفسه جُمْلَة فقال :
- المسعدي خالد فينا شئْتَ أم أبيْتَ وأدبه غائص في كلّ نفس وهو إلى يوم الدّين مقروء.
فقلتُ مساندًا أخي :
- ما أَجَبْتَ عن سؤال. ولقد ضَيَّقْتَ على فكرك فلا يتّسع ولا يتوَسَّعُ.
ومَضَى كُلٌّ إلى عمله يدرّس تلاميذَهُ ورافقتُ أخي أحثّه على فوزي وسيّده.
كنّا جميع أساتذة المعهد حَرِيصينَ حِرْصَ الرّضيع على رضاعته أن نلتزمَ بِالحضور إلى قاعات الدّراسة في زَمنه المُحَدّد والمُدَقَّقِ والمضبوط لا نغبن حقًّا ولا نُضيّع جُهْدًا. عادةٌ متأصّلة فينا وأخلاق حميدة وانضباط طبيعي وليس خوْفًا من القانون أو احتراما لَهُ، فكان من غير المُضْحِكِ أن ترى أستاذة تجري جرْيَ المُسْرع تكاد ساقها تلتوي لحذاء كعبه شِبْر، أو تشدّ أخرى خِمَارَ شعرها إلى صدرها تهرول هَرْوَلَةَ الصبيّ إلى أبيه المنتظر، أو أن تَرَى أستاذًا يحُضُّ سَاقًا على سَاقٍ ويُرْخِي اللّجام للقدم ركض الغُلام في اللّعب، إلاّ أخي فقد كان "واثق الخطوةِ يمشي مَلِكًا". وكان شفيعًا لي في مِشية المتكبّر المتأنّق.
ولستُ أدري لِمَ كان أخي يتبرَّأ من دم يوسف وهو قاتله وآكله. أَحَيَاءٌ فيه أم أَدَبٌ أمْ خَوْفٌ من محاورة فيما قد كَتَبَ.
لقد كان رصينًا هادئا كَرَزَانَتِه، متّزِن القول، ثقيل الفكرة والرّأي، فاضل النفس بعيدًا عن الهوى. كان شطري الهادئ وكنتُ شطرَه المُشاغب المُحتلَّ لِكُلّ رُكْنٍ في بيوت المَكْرِ والدَّهَاءِ جمّعتنا يدُ قدير لا يعزّ عليه جمعنا (فإذا أبْصَرْتَنِي أبْصَرْتَه وإذا أبْصَرْتَه أبْصَرْتَنِي).
وصرتُ أخيرًا كثيرًا ما أُبْصِره يُحَاذي الأستاذة سَيْرًا حتّى تكاد تأخذ بيده، وترافقه حتّى كدت إخالها رفيقته، وتجالِسُه حتّى كادت تصير جليسَتَه إذ غابت عيْن تراقب وترصد وتُحدّق وإن كانت إليه قديما تطمئن لا إلى غيره. لقد عُوِّضَ الأستاذ بغيره وما عُدْنا نراه إلاّ مُوصِلاً أو مُنتظِرًا أمام المعهد، ومرّة نسلِّم ومرارًا لا نفعَلُ.
لقد استقرّت لأخي "الولاية" على زميلته. ولو جازت الولاية لامرأة على أحد لقِيلَ جازت لها عليه. لذلك كنتُ أحمد الله أنْ يَسَّرَ لِي مَلاَكًا مِثلها يُريحُنِي ويحمل عنّي بعض أتعاب أخي الذي صرتُ أدعوه بآية الله الكبرى كما عند الشيعة الإثنا عشرية وأدعو له بالفقه الأعظم من كتابهم "الكافي". وكان يغضب ويكاد يخلع كتفي بِيُمْنَاهُ كُلَّمَا كان عليَّ يتعكّزُ وإلَيَّ في سيره البطيء يستند. ومتى قلتُ له أريد إغْضابَه :
- لو كنتَ في سلامة جسدي وقوّة بدني أما تكون شيعيّ المذهب من المرأة؟ فيردّ سَرِيعًا :
- بل سأكون على مذهب صَدُوقِكَ المدير (الجبهوي).
قلتُ :
- ستكون إذن كالمُمْتطِي حِصَانًا بلاَ أرْجُل.
فقال :
- أنا ضعيفُهما فهل أركبُ من يقعُد بي ويُقْعِدُنِي؟
قلتُ :
- تركب ضجيجًا وغوغاء وارتقَاءً فيهما سُلَّمَا...وما صَدَقَنِي ذلك الصّدوق رأيا وما صَدَّقنِي في مِثله إلاّ إذا غَفَا عقله وما يغفو عقله حتّى يذهب عقلي فيحادثني وأكاد أسمع وأخاطِبُه فَلاَ يَنْتَبِه وأسقيه خَمْرًا فيُسكره ويُطْرِبُه ويخلط لي خمورًا كأنّها مِنْ حَمْلِ المرأة الكاذِب...عقلُه محفوظ من الكُتب الحمراء والصّفراء وأكثرها فيها سُوسٌ وأَرَضَةٌ وزرعها لا يطلع فلا ثَمَرُ. وما أدري أكَانَ صَاحِيًا أم به الخَمْرُ يلعبُ حين قال لي ذاتَ يوم بعد أن فكّر ثمّ فَحَصَ وتفَحَّصَ ثمّ تَدَبَّرَ وقَلَّبَ البَصَرَ وأرْجَعَ ثمّ كبّرَ شفتيه وهدَّدَ بِسَبَّابَتِه فاخبرني أنّ أرض (الجبهة) بساطها المَنْفَعَة وسِيسَانُها الهَرَجُ وعرَصَاتُها الوصوليّة وأركانها الاتّكاء وجُدُرانها التّواكل وجُندها الضّوضاء والزّعم والادّعاء وصناعة ربّ بيتها الافتعال ونسخ أقوال تُنْسَجُ في الفضاء فتضيع في الهباء. ثمّ عَضَّ زجاجَ الكأس ولو مَا أدْمَاهُ ما صدّقتُه وقال :
- زعيمنا، زعيم الجبهة في البيت وفي بيتنا...أرأيتَ زعيما لم يشغل قطّ عَمَلاً..إلاّ بِطِينٍ يترَطّب وبِحَمَّامٍ يتحسَّنُ ويتهذّب...
فقلتُ له :
- أما ترى أنّنا حين نشرب...ألمْ نكن نعمل؟ أليس الشرب بعمل؟
فوضَعَ أخي رَاحَتَه على جبهتي كأنّه يتحسّس سُخْنَها وحرارتها وأضحى يُدْنيها من فَمِي فما سَكَتُّ ولكنّه أَسْكَتَنِي.
كان أخي يروغُ عينه اليُمنى عَنّي كما رَاغَت الشمس عن فِتيَة أهل الكهف كلّما رأيته إلى جوار الأستاذة يتحدّثُ أو مُصْغِيًا إليها في أدب. وكانت عينه اليُسْرى تُعَاتِبُنِي فهي أقبحُ وأعسرُ نَظَرًا وكنتُ أُلِحُّ على نفسي عمدا منه أَقترِبُ فيقول :
- لاَ أَهْلاً بالذي في فكره حَوَلُ.
فأقول :
- سَلاَمًا على الذي في عينه نور على نور. سَلاَمًا على ولاية الفقيه آية الله العظْمى فَبِمَ تَأمُر؟ أتذكر ما قال ابن تيميّة فيهم؟
فيقول :
- تكذبُ وأنا الصّادق.
فلقد عَرَفَ أخي قَصْدِي بإجْمَاعٍ على كَذِبِ الشيعة، فيقول ينهرني :
- انصرف، واهبط منها وما أنت من المُنْظرين.(مُشيرًا إلى قول الإله لإبليس).
فأقول :
- السمع والطّاعة في ما لم أسمع.
فتضحك الأستاذة لأقوالنا وسَبَابِنَا.
لم يكن بالأستاذة رَيْبٌ أو شكّ في أخي، فهو إن كان مُتْعَبَ البَصر غير سَوِيّ الخِلْقَةِ فهو سَوِيّ البصيرة سليم النظر نقيّ الضّمير، ولم يكن فيما يبدو بِهَا شكّ أنّ أخي مَا كَتَمَ عنّي قطّ عِلْمًا بخبر، وما أخْفى عنّي سِرًّا أبدًا. فبدأتْ ترتاحُ إليَّ أيضا رَاحَةَ المطمئن على سِرٍّ عليه الأبواب تُقْفَلُ فصرتُ ثَالِثَهما في السَّيْرِ وفي المحادثة والمُصَاحَبَةِ والمُجَالَسَةِ.
كاد الفَصْلُ الأوّل من السّنة الدّراسية الجديدة ينتهي. وصِرْنَا نَنَامُ مِلْءَ الجفون في البيت وفي المعهد. ننام كأنّ النّصَبَ في هذين الشهْرَيْن قد هدَّنَا والتّعبَ قد أهْلَكَنَا والجهد قد أضْنَانَا والاجتهاد قد هَرَسَنَا والعمل قد فَرَسَنَا وافترسَنَا وفَطّسَنَا. وكاد المعهد يخلو من التلاميذ، إلاّ مِمَّنْ به عَياءُ قلم ونومُ فكر وتعثّرُ حافظة في امتحان لَعَلَّ أغلب التلاميذ قد تعرّفوا إليه في الحوانيت الخاصّة وفي الدّكاكين الإجْبَارية، أو من بعض الأمّهات المُتْعَبَاتِ أو الآباء الذين يَؤُمّون المعهد في مثل هذه الأيّام لتذكير أساتذة الدكاكين والحوانيت والسّطوح بما كَابَدُوا مِنْ أجل ما دفعوا. وتكثر الشكوى من الحياة ومن الأولاد ويصير ملء رأس تلميذ بأجوبة الامتحان واحد أَغْلَى من رأس أضْحِية، فتطمئن قلوبهم بِإصرار بعض الأساتذة على العَوْنِ والمساعدة متَى حَازَ التلميذ في "الحَوزة العلمية" للأستاذ على مَقْعَد.
ولمْ يكن أغلبنا يشتكي ذلك التعب والنّصب إلاّ ظاهرًا، فلمّا رأيتُ أخي مُسْنِدًا ظهرَه إلى الحائط، يفترش بساطا على الأرض مَادًّا سَاقَيْهِ مَدَّ المذْنب، غاطِسًا رأسه في ورقة امتحان غَطْسَة الباحث في صَدْره عن حسنة واحدة بها يتأسّى ويعلّق لُمْتُه لَوْم حَاكِم مُتَجَبّر على فِعْلِه ودعوته للتّوبة عن صنيعه واستحضرتُ له ما حفظتُ من "جماعة الدّعوة والتبليغ". في الاستغفار والإرشاد والهدَاية وأوحيتُ إليهِ السّبيل الأقوم ألاّ ينظرَ في وَرَقَةِ امتحان إلاّ ودفتر أعداد الامتحان السَّابق أمامه يُضيف إلى الجديد عَدَدًا أو يُنْقِصُه، وكفى الله الأساتذة شَرَّ الإصلاح وما فيه مِنْ تعب.
كان الفراغ يملأ أوقات فراغنا فَرُغْنَا إلى أركان من المعهد نُعمّرها، فجلسة في التلاميذ وضعف مهاراتهم وغلق أذهانهم وقِلّة قَبولِهم، وجلسات في السّياسة وفي الدّين والاجتماع، ومحاورات طويلة تتنَاطَح فيها رؤوس تَعَبَّأت بِكلّ عِلم قديم وحديثٍ.
وأهدى لنا الفراغُ ضَالَّتنا ويَسَّرَ لنا ما كان مفقودًا فصرنا كَبْشَيْنِ ونَعْجَةً نجتمع في قسم من الأقسام الخالية لزمن طويل . وكنتُ أدفع الأستاذة دفعا خفيًّا إلى الحديث في الحياة وفي العائلات لعلَّها عَنْ خاصّةٍ تخبِرُ فقلتُ :
- أمَا حَكَى لَكِ هذا السّقيم مَا كان قد فعل بي؟ لقد عاقبني أليما لم يَفْعَلْه بي أبي يوم كنتُ طائشا في شبابي وفي صِغَرِي...
فنظرَ إليها أخي كأنّه يردّها عن تكلّم، فضحكت وقالت :
- لقد حَكَى لِي حَكْيَ النّادم. وما فعل ذلك إلاّ فعل الأخ النّاصِحِ. وما أدري أيّكما كان يلزّ الآخر للّهو والعبث. أنتَ أم والد بِنْتَيَّ؟
فقال :
- وهل مُنْتَصِحٌ كهذا؟ ما عَلمتُ فيه منذ صِغَرِي إلاّ السّوء والطيش واللّعبَ.
فقلتُ :
- إنْ أسَأْتُ فلِنفسي، وإليكَ أنا مُحْسِنُ. ومَا ضَرَّ يوم في شهر، ذاك إذا وَفَيْتُ بِمَا عَاهدتُ...
فقال :
- هَبْ أنّك في عَبَثك قد عَمَيْت أو تكسّرتَ فمن إليه أسْتَنِد؟
فوجدتُ في قوله مَغْنَمًا وإليها سبيلاً فقُلْتُ وقد غَمَزْتُ بطرفِي أخي :
- شرّ النّاس من ظَلَّ إلى النّاس يستندُ. ينظر في نفسه فَيَرَى عيَاء وقلّة حِيلة وذهاب قوّةٍ، فترتاح النفس تُلْقِي على ظهر غيرها الأعباء وظنّت أنّها مِنها تسلم، وتركب الخوف ويزعجها الحاضر ويُرهبها المستقبل.
نظر إليّ ذلك الأحول نظرة مَنْ رأى في الكلام سَوْقًا لِمَكْر، فقال :
- إنّما العجز في الصّدر، يرقد فيه الوسواس. يحدّثه بالقصور، ومتَى كان له فيه التّمكينُ أفرغ في ذلك الصّدر الرُّعْبَ والتهويل والذّعْرَ فيُخيِّل لصاحبه أنّه ناقصُ رِجْلٍ أو مبتور يَدٍ، فما حَوَّلَ عيْنًا إلى أُفُقٍ إلاّ رأى فيه أهوالا وشرورًا تأتيه فيغمض عينه ويُقَيِّدُ يَدَه ويحتمي بظهر غيره.
وأَعْجَبَتْنِي مِنْ أخي لفظة "التّمكين" تلك، ووددتُ لو أحاط جندَه بها فلا مهرب مِنْ حُكم (مُرشِد الإخوان) إلاّ بالسّمع والطّاعة. وحدثتني نفسي بأنّ أخي لو عَرَفَ بعض طُرق استفادة (الإخوان المسلمين) من مكر وخبث وكذب الشيعة الإثنا عشرية في حَمْلِ النّاس على ظنّ الخير في ظاهر ما يُعلنون ويُبْدون وإخفاء شَرِّ ما يُسِرّون وما يُبْطِنون لَحَمَلَها على الإيمان بما تبطن تلك الجماعات فتركت ظاهرا لتُعَرِّيَ بَاطِنا فنسلم جميعا من لفّة ودورة وخُدْعَةٍ. فقلتُ لها :
- وما أخبار والد البِنْتَيْنِ كما قلتِ؟ فما عين رأته منذ زمن. واشتقنا مِنه نسمع. وإذْ خَلاَ مِنه مجلسنا خَلاَ الحديثُ من شعر ومِن غَزَلٍ ومِن عاطفة...
كانت لفحاتٌ مِنْ برد مُنْتَصف شهر ديسمبر قد بدأت تشوي الأنوف والوجوه وبَدَا صقيعها يقرص الأنامل. نَهَضَتْ الأستاذةُ فاستقام عودها فرأيتُ لِأوّل مَرَّةٍ لحْمَ سَاقيْها، لحما كَادَ يحمرّ وينضج تحت لِبَاسٍ غَطّاهُ وحَمَاهُ سنينَ طويلة مِن أعين ومن شمس ومن أرْيَاح. وسَرّحَتُ النّظر أطلبُ مَا فَوْقَ فَصَدَّنِي ثوبٌ آوَى إليه ما تحت الرّكبتين بقليل خليعًا يلتصقُ بمعصية أو كبيرةٍ. ولولا حياءٌ كاذبٌ مَنَعَنِي لَأَحْصَيْتُ بعض شعيرات في السَّاقِ استعصى نَتْفُها على اللاّصق المُزيل أو الملقاط. ورأتْ مِنّي ذلك وغفلتني وتغافلت. ثمّ نزعَتْ سُترة فكشَفَتْ عن زِنْدَيْن رقيقيْن رَاوَغَتْنِي عيني تريد أكْلَهُمَا فعَصَيْتُها بِالتمهّل ورَوَّضْتُها بالاختلاس.
نهضت فاستقامت ونزعت سُترة وجلست وأشارت إلى آثار ضرب. عروق زرقاء من المَنْكبيْن إلى أسفل الكتفين وبقايَا آثار عَضَّةِ نَابٍ وقالت :
- تلك آثار الآداب الرومنسيّة والأشعار الغزلية والأقوال البديعيّة في الحبّ والعاطفة والهوى. وما انْطَفَأت زُرْقَةٌ في ظهري إلاّ لِتظهَر أخرى في فخذي أو في كَتَفِي...
وحمدتُ الله كثيرًا أنّي ألْجَمْتُ لِسَانِي إذ كادَ مِنّي ينفلت كأنّما يرجو مقاما في الظهر وفي الفخذ، فكوّرتُ ذلك اللّسان ورميتُ به أسفل حَلْقي فلا يعبث. وقال أخي :
- يقول المثل الفرنسي : لا تُضرب المرأة ولو بوَرْدَةٍ. وهل تُضرب الوردة بوردة. ولكنّ العاقلة من صبرت وصابرت دفعا للخراب وإن أوذِيَتْ وحِرْصًا على العائلة وإن أُهِينَتْ ولم تُكْرَم.
فقالت :
- وهل صبرٌ كصبري...(وكادت تتبسّم). كنتُ أيوب في ذلك وإن شئتَ أضفتَ إليه يعقوبَا.
فقال أخي :
- وتلك محنةٌ كمِحنةِ الصّالحين في حَمْل رسائلهم وتبليغها. احتمال أعْبَاء وتحمّل أثقال ونفس طاهرة تُغَذِّي الفضيلة أخلاقها وتجَمِّلُ أفعالها وتحكم خطاها بالتّجلّد فترسم في تلك النّفس المكارمَ والمحاسنَ والفضائل و...
فقاطعتْه الأستاذة :
- وهل من الأنبياء امرأة؟ لقد سمعتُ مِنه أوّل حياتي ما أكادُ أرى مِنه في حديثك الآن...وربّما ذاك الذي قد كان غَرَّرَ بي وأهلكني...أتعتقد أنّني ما زلتُ تلك الفتاة؟ أهدّئ من روعه فيغضب، وأُمَنِّيه بِالطبّ فيكفر، وأُطمْئنه فيضربني...وحتّى إذا غسلتُ أطرافي كاد يسألها هل لأحد مِنَ النّاس تتهيّأُ. وإذا كَبُرَ عليَّ المقت والأذى فتألّمتُ ورجوتُ الطّلاق بِالقتل يُهَدِّدُنِي...لِخمْسٍ...بلْ لِسَبْعٍ ما رأيتُ سِوَى غبن يلحق به غَمٌّ يدفعه نَكَد. يحصرني في البيت كالمذنبة وما طريقي إلاّ لِمَعْهَد. وحتّى رَاتِبِي ضربَ عليه حجزا وحجرًا لقرض من البنوك في منزل بَنَيْنَاهُ. ورَاتِبُه للأمراض والخمر. وما رغب في أمر مِنّي إلاّ رغّبته فيه وانبسطتّ له كالأرض وأزهرَ له جسدي ونوَّرَ فَمِي واشتاقَ جِسْمِي للعراء يَجري فيه الماء أو تُصَبُّ فيه قَطرة من حياة ولكنْ صدّه عنه العجز وقهره المرض فتركض النّقمة في صدره ويشتعل الحقد، وللنّاس بعضُ ابتسَامِهِ ولي وَحْدِي سَبَابُه وشَتْمُه ومُرُّ المعاشرة. فأيّ ذنْبٍ أتيْتُ فأحمل أصفاده في عُنُقِي وفي لِسَانِي وفي يَدِي وفي أرْجُلِي؟!
أوشكت عيني تنام سَرَحَتْ في زنْدِها وفي فخذيها وابتعدت تمرح في مَا بينهما، فاستفاقت للأصفاد في عنقها. وقد كنتُ أصْغِي إليهما ولا أتحدّث فعرفتُ زيغها عن أخي، وشجّعتني على أسَاهَا ابتسامَتُها تلك التي كادت عليها شفتاها تنفرجُ فقلت :
- لقد حَمَّلْتِ نفسكِ ذنوبًا لو أحْصيتها فاقت أسماء الله الحسنى بواحد. لقد ألْقَيْتِ بنفسكِ إلى التهلكة. ذنوب لعلّ أيْسَرَها السّباحة في غير الماء والنظر في المسائل بالحياء والتفكير بالفضيلة والثواب والجزاء وغلق الأبواب بالخوف وقطع الطّريق بالذرائع والتوهّم. أتُسْقَى الزهورُ بماء السِّبَاخ؟
فقطع أخي عن كلامي الطّريق :
- لا تُنَبِّهي إليه مُصْغِيَة ولا تفتحي له أبواب مُفكّرة فإن فعلتِ سمعتِ من الذنوب ألْفًا، فإنّه حَفّارٌ لذلك قلاّعُ حجارة رَدَّادُ مناقب وإحسان للهوى. فما النبل والكرم والفضل والحُسن والشِّيَمُ إلاّ في سِقَايَةِ ناكر وإطعام جَاحِد أو كافر فقد يؤخذ المُسيء بالإحسان والفضيلة والصّبر...
واحتدّت المحاورة بيني وبين أخي يحدّثها عن الرّوح ويُحَبِّبُ إليها الأخلاق ويثير فيها الفضيلة ويرغّبها في التضحية ويزرَعُ فيها مُجْتَهِدًا المكارم والإحسان والأمل والرّجاء. وأُحَمِّشُ تحتها النّار أحرق طِينَتَها الأولى وأْلهِبُ مَفَاصِلَها وأشعِلُ أركانها وأنفخ فيها من وَهَج نزقها وشبقها وأسوّي نظرها علّها تقع سَاجدة للعزم والمجابهة والتحمّل والمخاطرة دفْعًا لحاضر بَائس يائِس وطَرْدًا لبلاء لم تكن سَبَبًا فيه وتحقيقا لحياة ورغبة من الوجود في التّدارك والإصلاح وسَعْيًا إلى إعطاء الجسد حقًّا استحقّه وتأسيسًا للذّات وما يصدرُ عنها من خير وشرّ ورهبة ورغبة وشهوة ومَنْع كَيْ لا يكون الخَلْق بَاطِلاً وعَبَثًا، فقلتُ :
- أَملاَئِكة هذا الخلق،هذا البشر؟ لاَ يطمعون ولا يطعمون ولا يمشون في الأسواق؟
فتبسّمتْ بِفَمٍ يكادُ يُغري وضحكت عيناها وتهلَّلَ وجهها، وما أدري أكانت ابتسامتها لي أم لأخي. ثمّ التفتت إلى ذلك الأعرج ذي الفم العريض الذي لا ينطق إلاّ عن هَوَى وقالت :
- خبرتُ أسلوبَك في التحرير وأعرفه وقرأتُ ما كتبتَ فما ذاك القول في الأزمنة؟
فقال :
- أعني أنّ العمر ساعة عابرة، وخير ما فيها رَعْيٌ في أرض القيم النبيلة وسعي في بَذل فضيلة و...
لقد شحّت بئرُ أخي عن ماء فلم يكن يجد فيها إلاّ طينًا معجونًا بالفضيلة وأخواتها مُرَشّحًا بالتضحية وعَمّاتها، فأشاحت بوجهها عنه قليلا فاغتنمتُ ذلك الكنزَ، وقلتُ :
- دَعي الرّعْي والمَرْعَى والخِراف والخرافة. لا ريْبَ أنّ أخي يقرأ الحياة بما كنت قد سَمِعتِ في شبابكِ. فلا تشربِي كأس الحياة بخياله. أتُؤْخَذُ الحياة بالخيال؟
وكاد أخي يغضبُ مِنّي. وتكرّرت ابتساماتها وزادت وتحوّلت ضَحِكًا. وقالت :
- وكيف تتحقّق الأزمنة أو غيرها أو الأشياء الأخرى؟
فعرفتُ أنّها لا تعني الأزمنة وإنّما تشير بذلك إلى الأشياء الأخرى فقلتُ :
- أغلبنا يمشي بقامة مُنحنية إلى الوراء مستقيمة زاويتها إلى الأرض نصف التسعين. فرأس تطيح على قفاها وخصر يتأرجح ورِجل فى الأرض مغروسٌ قدَمُها وأخرى لا تلمس التراب معلّقة وتلك أزمنتنا : جسد لا يستقيم. فقالت :
- وكيف يستقيم لي هذا الجسد؟ أو كيف أستقيم أنا لهذا الجسد؟ ما أعرف أيّ معنى هو الأصحّ ؟
فقال أخي وأظنّه عرف من الكلام قصدي :
- هذا أوّل عهد لي برأي صحيح مِنه (ولمْ يشأْ أن يذكُر لي اسما) ثمّ رَاوغ من جديد وقال :
- هَبِي أنّ الله تعالى لم يخلق الجنّة ولم يخلق النّار، وقال عِبَادِي ألا فعبدوني. فهل في الخلق مِنْ عَابِد غير الفاضل!
فقالت :
- ما عن ذاك أنا أسأل.
فقلتُ :
- لا يستقيم إلاّ بالمعالجة كالحاضر لا يُبْنَى إلاّ إذا تحقّق النظر في مستقبل وعُمِلَ له وتهيّأت له الجهود والآلات. فما الحاضر سوى بُرهة يزحمها المستقبل ويطردها ويغمرها في الماضي. ومن رأى آتيه عَاشَ حاضره واستقام له جسده. فَهَيِّئِي له وتَهَيَّئِي يَسْتَقِمْ لكِ.
وأردتُ أنْ أُرْضِي أخي فقلتُ :
- كُلٌّ يعملُ لِمستقبلِ.
فتبسّم أخي مِثلها ولكن بِفَكَّيْ تمساح غاضب كان يضحك. وأردت ألاّ أمْهِلَها فَعَجَّلْتُ بما تعيش أمَثِّلُ :
- إنّ الأشجار ربّما إذا قُطِعَ منها غُصْنٌ خَلَّفَ، وإذا قُصَّ فَرْعٌ ربّما غيره نبتَ وإذا زُبِرَ عُودٌ غيره ظَهَرَ فهل سَاقٌ إذا قُطِعَتْ خَلَّفَتْ وهل يَدٌ إذا بُتِرَتْ غيرها نَبَتَتْ...إنّ الأعضاء في الإنسان لا تنبتُ ولا تُخَلّفُ . كذلك مَنْ زَبَرَهُ المَرَضُ...
فقالت (وقد نظرت في وجه أخي) :
- حقًّا إنّ الأعضاء لا تنبتُ...بل لعلّ أهمّها إذا مَاتَ مَاتَ و لا يُسْتَنْبَتُ...ما رأيتُ نعْشًا عَادَ بِرَاكِبِه...
وبَدَا على الأستاذة الارتياح ومشت في وجهها الابتسامة العريضة كوردَة تَبَلَّلَتْ فتفَتَّحَتْ. ثمّ فتحتْ مِحْفَظَةً فإذا كتاب "القانون في الطبّ" وقالت لأخي :
- هذا وغيره وأوسع مِنهما وكثيرٌ أرجو دواءً لِدَاءٍ فما جَرَى دم في عِرق وما تحرّك نِضْوٌ فهل أطلبُ له سحْرًا يُحْيِيه...وهل أموت لموتٍ ما كنتُ سَبَبًا فيه؟!
فقال أخي :
- بل تأكل الأيّام مَا أسرعها تأكل الأعمار أَكْلاً...
فقلتُ :
- بل تأكل الأيام عمُرَ مَنْ يطمئن إلى حاضره ويرضى كبهيمة الأنعام تفرح وترضى بِما يقدّم له سيّدٌ فاجِرٌ من عَلَفٍ.
وكادت الأستاذة تهمّ – همّ يوسف لامرأة العزيز – بخلع ما تحت سترتها، وفتّحتْ أزْرَارًا عن ثغر لنَهد به أوزار، وأطلقَتْ نفسا طويلا كالوهج من أعماق حرَّى ثمّ قامت واستوت ونَفَّضَتْ يديها وحرّكت رأسها كطائر ينفض عن ريشه الماء، وأزاحت شَعْرًا تَدَهْدَى على عينيها وشدّت على خصرها كالناهض من نعاس وفصَلت نظرها عن أخي وفتّحت عينها لي ثمّ نظرت إلى باب المعهد المُوصَد وخطت خطوتين إلى الأمام وقالت : " سأفتحه وما بي حاجة إلى حَارِسٍ يُساعِدُني". وانصَرفَت مبتسمة ضاحكة كأنّها لم تبتسم قطّ ولم تضحك أَبَدَا.
ونظر إليّ أخي نظرة ما فقهتُ لها معنى فتغافلتُ عن نظره ثمّ قال :
- حقًّا لو كانت الأعضاء تُسْتَنْبَتُ لقطعْتُ هاتيْن السّاقين القَصَبَتَيْنِ...لو تنبتُ غيرهما...فهلاّ أَنْهَضْتَنِي؟ ونهضنا ومسكتُ يَدَ أخي فإذا هي كالثّلج أو أبرَدَ. وغَادَرْنَا المعهد تركت الأستاذة بَابَه مُشَرَّعًا.
*****
‹‹ تنقضي الأيّام ما أسرَعها تأكُلُ الأعمار أَكْلًا وتحفُر في الأجساد أَمْرَاضا وعِلَلاً كالنّمل تحفر مَسْكَنًا فيه تجتمع وتبيض وتفقس وتأكل ما خَزَّنَت حتّى إذا خَلاَ الغَار مِمّا جمّعت تركته خاليا تَهَسْهَسَتْ جُدُرَانُه وتخرّبت مَسَارِبُه وأضحى آيلا للطّمر لِأدقّ حَافِرٍ تصادِفُه أو أضعف قَطْر فيغمره. وتنتقل النّمل من غَارٍ إلى غَارٍ كالأمراض من جِسم إلى جِسم تُيَبِّسُه أو تُحلِّلُه. ويَلوي في ذلك الإنسان عُنُقَه إلى ماضيه فتتراءى لهُ الأشياءُ دقيقةً رؤية من يُريدُ أن يَفْحَص مَوجًا في أفق أو كَمن يُريدُ أن يتلمّس سَرَابًا بِيَدٍ، ويُبْصِر حَوْلَهُ فيرى الزّمنَ يَفْتَكُّ مِنه ساعَته يُلقيها إلى ذلك الماضي يدفنها فيه ويجمعها إلى غيرها رَمَادًا رُكاما، ويدفعه إلى مُسْتَقْبَلٍ سُرْعَان ما يجتمع إلى حَاضِرٍ يَجبدهُمَا الماضِي إليه مَعًا فيُلغِيهما. فيتأرجح ذلك الإنسان بين نقطة حاضرة عابِرة يجذبها الماضي سريعًا إليه فتصير مِنه وبين لحظة آتية لا يدري مُدَّتها ويضيع العُمر بين ذاك وذاك، دَفْنُ عُمر ورجاء بقيّة مِنه.
وتغتمُّ الذات بين تلك الأزمنة : رائح يجذب إليه قَهْرًا حَاضِره ويَبْتَلِعُه وآتٍ تُمَنِّي النفسُ ذاتها كَذِبًا بالكذب. وتنقضي الأيّام وتُؤْكل الأعمار... ››.
تفاجَأ أخي أعرجُ الذّهن حين رأى مَا كَتب في وَرقةٍ صغيرةٍ أَعْطَانيها مُنْذُ أيَّام عَلَّ رأيًا لِي فيها يظهر، قد عُلِّقَتْ إلى جِدَارِ سبّورة بقاعة الأساتذة بخطّ مَرقوم على ورق كبير. وقَدْ خُطَّ تحتها : "الذاتُ الفاعلةُ والوجودُ".
ورأى أخي بعض الأساتذة بين قارئ مُعْجَبٍ وبين رَافِعٍ حَاجِبَيْه مُمِيل رأسه إلى كَتِفٍ وبين مُسْتَغْنٍ عنها لا يَعْبَأُ. فنظر إليَّ نظرة استغراب واستفهامٍ فأخبرتُه أنّ صديقنا "الفوزي" قَدْ استلمها مِنّي حين كنتُ أرَاجِعها فظنّ أنّها خاطرة لي في الوجود وفي العَدَمِ، فَفَعَلَ بها ما فعل فهي حيثُ ترى. وحين سُئِلَ أخي في ذلك تَمَلَّصَ ونزعَ عنه جِلْدَه وقال هي لأخي.
يُقَال إنّ من العلوم الرّوحانيّة أو الحِكم أو المشاهد الربّانية أو انبعاثات الأنوار الإلهية، أو مِمّا قد يُؤتَى للساحر من سحر أو مِمّا تزعمه الصّوفيّة ما قد يُوهَبُ مِن الصّدر إلى الصّدر قبل أن تعرج الرّوح إلى خالِقها. ويبدو أنّ صديقنا "الفوز" كان مِمّن شهد معراج روح "سِيدْنَا" المسعدي إلى السّماء وهو الذي كانَ يُلقِّنه الشهادتين ذُخْرًا له في القبر حين كان مَلِكُ الموت يعصره فكان "فوزي المُريد" يَحُضُّ سيّدَه حَضًّا على النّطق بهما وكان مَلِكُ الموت يمنعه ويخُضُّه خَضًّا فسارع التلميذ يُبَلِّلُ شَفَتَيْ المعصور والمخضوض بقطرات من كأس يُقَالُ بها ماء بارد لذّة للشاربين، ثمّ مَصَّ مَا بِها فانتقلت هموم المسعدي كلّها إلى نفس وعقل وروح ولسان صديقنا "الفواز الأعظم" وتلبّست بِه.
كان فوزي مَهْوُوسًا بالذات والوجود والعدم والفناء، ما تحدّث إلاّ عن ذلك وما نطق إلاّ بها تَخَالُهُ المسعدي مَازَال يتدرّبُ ويتمرّنُ، فهو سَاقط في هُوَّةٍ لا قرار لها. يقرأُ صفحة مِنْ كِتابِ الصّغار فيكتُبُ عنها عَشْرًا ويحدّثك بها وبما كتب شَهْرًا ويغرق السّامع في المأساة عُمُرًا. وقد يقف عند لَوْحَةٍ قديمة مُعَلَّقة إلى جِدَارٍ بمقهى بها رسم رجل عجوز منكّس الرأس يشرب ماء أو خمرًا وينفث من فيه دُخان جَمْر وينظر شَزَرًا فيرتدّ النظر إلى "فوزي" حسيرا مكلوما قد شرب اللّوحة واكل خشَبَها فخلَّطَ الوجودية بالسّريالية وانْتَزَعَ مِنَ السّريالية الواقعيّة وخلُصَ إلى الملهاة يشرح صدرها عن المأساة وانتهى إلى العبث والفناء...
رأى "فوزي" في تلك السّطور بعْضًا من ضالّته واهتدى برأيه إلى أنّ الجهد الإنساني لا يتحقّق وأنّ الحياة عبث وأنّ سَعْيَ الإنسان إلى هباء. فَرَقَنَ على ورق كبير بخطّ عريض وعَلَّقَ على السبّورة. واستَحْيَى أخي أن يسأله وتردّد كثيرًا ثمّ اجتمعت فيه جُرْأة فقال له :
- أوُجوديّة المسعدي فلسفة؟ أم المسعدي محمول على الوجودية أُقْحِمَ في الفلسفة؟ وهل وجوديته مؤمنة؟
فالتفتَ إليَّ صديقنا الفوزي أنكر على أخي ما يقول ويزعم، وكالحافظ سِرًّا مِنْ عِلْم قال :
- مَا لِأخيك؟ ألَمْ تلحظ عينُه في الكتاب النّورَ في الأفق؟ أما رأى نور الشّمعة؟!
فوضَعَ أخي رَاحَة يده على عينه اليُسرى وقال :
- أرى جيّدًا، فأرى مسيرة خاطئة لها خاتمة كاذِبة حسّنَتْها عبارة مسروقة ونفخ فيها تلاميذ صِغَارٌ.
فسكت "فوزي" بَهْتَةً وجَمَّعَ في نفسه جُمْلَة فقال :
- المسعدي خالد فينا شئْتَ أم أبيْتَ وأدبه غائص في كلّ نفس وهو إلى يوم الدّين مقروء.
فقلتُ مساندًا أخي :
- ما أَجَبْتَ عن سؤال. ولقد ضَيَّقْتَ على فكرك فلا يتّسع ولا يتوَسَّعُ.
ومَضَى كُلٌّ إلى عمله يدرّس تلاميذَهُ ورافقتُ أخي أحثّه على فوزي وسيّده.
كنّا جميع أساتذة المعهد حَرِيصينَ حِرْصَ الرّضيع على رضاعته أن نلتزمَ بِالحضور إلى قاعات الدّراسة في زَمنه المُحَدّد والمُدَقَّقِ والمضبوط لا نغبن حقًّا ولا نُضيّع جُهْدًا. عادةٌ متأصّلة فينا وأخلاق حميدة وانضباط طبيعي وليس خوْفًا من القانون أو احتراما لَهُ، فكان من غير المُضْحِكِ أن ترى أستاذة تجري جرْيَ المُسْرع تكاد ساقها تلتوي لحذاء كعبه شِبْر، أو تشدّ أخرى خِمَارَ شعرها إلى صدرها تهرول هَرْوَلَةَ الصبيّ إلى أبيه المنتظر، أو أن تَرَى أستاذًا يحُضُّ سَاقًا على سَاقٍ ويُرْخِي اللّجام للقدم ركض الغُلام في اللّعب، إلاّ أخي فقد كان "واثق الخطوةِ يمشي مَلِكًا". وكان شفيعًا لي في مِشية المتكبّر المتأنّق.
ولستُ أدري لِمَ كان أخي يتبرَّأ من دم يوسف وهو قاتله وآكله. أَحَيَاءٌ فيه أم أَدَبٌ أمْ خَوْفٌ من محاورة فيما قد كَتَبَ.
لقد كان رصينًا هادئا كَرَزَانَتِه، متّزِن القول، ثقيل الفكرة والرّأي، فاضل النفس بعيدًا عن الهوى. كان شطري الهادئ وكنتُ شطرَه المُشاغب المُحتلَّ لِكُلّ رُكْنٍ في بيوت المَكْرِ والدَّهَاءِ جمّعتنا يدُ قدير لا يعزّ عليه جمعنا (فإذا أبْصَرْتَنِي أبْصَرْتَه وإذا أبْصَرْتَه أبْصَرْتَنِي).
وصرتُ أخيرًا كثيرًا ما أُبْصِره يُحَاذي الأستاذة سَيْرًا حتّى تكاد تأخذ بيده، وترافقه حتّى كدت إخالها رفيقته، وتجالِسُه حتّى كادت تصير جليسَتَه إذ غابت عيْن تراقب وترصد وتُحدّق وإن كانت إليه قديما تطمئن لا إلى غيره. لقد عُوِّضَ الأستاذ بغيره وما عُدْنا نراه إلاّ مُوصِلاً أو مُنتظِرًا أمام المعهد، ومرّة نسلِّم ومرارًا لا نفعَلُ.
لقد استقرّت لأخي "الولاية" على زميلته. ولو جازت الولاية لامرأة على أحد لقِيلَ جازت لها عليه. لذلك كنتُ أحمد الله أنْ يَسَّرَ لِي مَلاَكًا مِثلها يُريحُنِي ويحمل عنّي بعض أتعاب أخي الذي صرتُ أدعوه بآية الله الكبرى كما عند الشيعة الإثنا عشرية وأدعو له بالفقه الأعظم من كتابهم "الكافي". وكان يغضب ويكاد يخلع كتفي بِيُمْنَاهُ كُلَّمَا كان عليَّ يتعكّزُ وإلَيَّ في سيره البطيء يستند. ومتى قلتُ له أريد إغْضابَه :
- لو كنتَ في سلامة جسدي وقوّة بدني أما تكون شيعيّ المذهب من المرأة؟ فيردّ سَرِيعًا :
- بل سأكون على مذهب صَدُوقِكَ المدير (الجبهوي).
قلتُ :
- ستكون إذن كالمُمْتطِي حِصَانًا بلاَ أرْجُل.
فقال :
- أنا ضعيفُهما فهل أركبُ من يقعُد بي ويُقْعِدُنِي؟
قلتُ :
- تركب ضجيجًا وغوغاء وارتقَاءً فيهما سُلَّمَا...وما صَدَقَنِي ذلك الصّدوق رأيا وما صَدَّقنِي في مِثله إلاّ إذا غَفَا عقله وما يغفو عقله حتّى يذهب عقلي فيحادثني وأكاد أسمع وأخاطِبُه فَلاَ يَنْتَبِه وأسقيه خَمْرًا فيُسكره ويُطْرِبُه ويخلط لي خمورًا كأنّها مِنْ حَمْلِ المرأة الكاذِب...عقلُه محفوظ من الكُتب الحمراء والصّفراء وأكثرها فيها سُوسٌ وأَرَضَةٌ وزرعها لا يطلع فلا ثَمَرُ. وما أدري أكَانَ صَاحِيًا أم به الخَمْرُ يلعبُ حين قال لي ذاتَ يوم بعد أن فكّر ثمّ فَحَصَ وتفَحَّصَ ثمّ تَدَبَّرَ وقَلَّبَ البَصَرَ وأرْجَعَ ثمّ كبّرَ شفتيه وهدَّدَ بِسَبَّابَتِه فاخبرني أنّ أرض (الجبهة) بساطها المَنْفَعَة وسِيسَانُها الهَرَجُ وعرَصَاتُها الوصوليّة وأركانها الاتّكاء وجُدُرانها التّواكل وجُندها الضّوضاء والزّعم والادّعاء وصناعة ربّ بيتها الافتعال ونسخ أقوال تُنْسَجُ في الفضاء فتضيع في الهباء. ثمّ عَضَّ زجاجَ الكأس ولو مَا أدْمَاهُ ما صدّقتُه وقال :
- زعيمنا، زعيم الجبهة في البيت وفي بيتنا...أرأيتَ زعيما لم يشغل قطّ عَمَلاً..إلاّ بِطِينٍ يترَطّب وبِحَمَّامٍ يتحسَّنُ ويتهذّب...
فقلتُ له :
- أما ترى أنّنا حين نشرب...ألمْ نكن نعمل؟ أليس الشرب بعمل؟
فوضَعَ أخي رَاحَتَه على جبهتي كأنّه يتحسّس سُخْنَها وحرارتها وأضحى يُدْنيها من فَمِي فما سَكَتُّ ولكنّه أَسْكَتَنِي.
كان أخي يروغُ عينه اليُمنى عَنّي كما رَاغَت الشمس عن فِتيَة أهل الكهف كلّما رأيته إلى جوار الأستاذة يتحدّثُ أو مُصْغِيًا إليها في أدب. وكانت عينه اليُسْرى تُعَاتِبُنِي فهي أقبحُ وأعسرُ نَظَرًا وكنتُ أُلِحُّ على نفسي عمدا منه أَقترِبُ فيقول :
- لاَ أَهْلاً بالذي في فكره حَوَلُ.
فأقول :
- سَلاَمًا على الذي في عينه نور على نور. سَلاَمًا على ولاية الفقيه آية الله العظْمى فَبِمَ تَأمُر؟ أتذكر ما قال ابن تيميّة فيهم؟
فيقول :
- تكذبُ وأنا الصّادق.
فلقد عَرَفَ أخي قَصْدِي بإجْمَاعٍ على كَذِبِ الشيعة، فيقول ينهرني :
- انصرف، واهبط منها وما أنت من المُنْظرين.(مُشيرًا إلى قول الإله لإبليس).
فأقول :
- السمع والطّاعة في ما لم أسمع.
فتضحك الأستاذة لأقوالنا وسَبَابِنَا.
لم يكن بالأستاذة رَيْبٌ أو شكّ في أخي، فهو إن كان مُتْعَبَ البَصر غير سَوِيّ الخِلْقَةِ فهو سَوِيّ البصيرة سليم النظر نقيّ الضّمير، ولم يكن فيما يبدو بِهَا شكّ أنّ أخي مَا كَتَمَ عنّي قطّ عِلْمًا بخبر، وما أخْفى عنّي سِرًّا أبدًا. فبدأتْ ترتاحُ إليَّ أيضا رَاحَةَ المطمئن على سِرٍّ عليه الأبواب تُقْفَلُ فصرتُ ثَالِثَهما في السَّيْرِ وفي المحادثة والمُصَاحَبَةِ والمُجَالَسَةِ.
كاد الفَصْلُ الأوّل من السّنة الدّراسية الجديدة ينتهي. وصِرْنَا نَنَامُ مِلْءَ الجفون في البيت وفي المعهد. ننام كأنّ النّصَبَ في هذين الشهْرَيْن قد هدَّنَا والتّعبَ قد أهْلَكَنَا والجهد قد أضْنَانَا والاجتهاد قد هَرَسَنَا والعمل قد فَرَسَنَا وافترسَنَا وفَطّسَنَا. وكاد المعهد يخلو من التلاميذ، إلاّ مِمَّنْ به عَياءُ قلم ونومُ فكر وتعثّرُ حافظة في امتحان لَعَلَّ أغلب التلاميذ قد تعرّفوا إليه في الحوانيت الخاصّة وفي الدّكاكين الإجْبَارية، أو من بعض الأمّهات المُتْعَبَاتِ أو الآباء الذين يَؤُمّون المعهد في مثل هذه الأيّام لتذكير أساتذة الدكاكين والحوانيت والسّطوح بما كَابَدُوا مِنْ أجل ما دفعوا. وتكثر الشكوى من الحياة ومن الأولاد ويصير ملء رأس تلميذ بأجوبة الامتحان واحد أَغْلَى من رأس أضْحِية، فتطمئن قلوبهم بِإصرار بعض الأساتذة على العَوْنِ والمساعدة متَى حَازَ التلميذ في "الحَوزة العلمية" للأستاذ على مَقْعَد.
ولمْ يكن أغلبنا يشتكي ذلك التعب والنّصب إلاّ ظاهرًا، فلمّا رأيتُ أخي مُسْنِدًا ظهرَه إلى الحائط، يفترش بساطا على الأرض مَادًّا سَاقَيْهِ مَدَّ المذْنب، غاطِسًا رأسه في ورقة امتحان غَطْسَة الباحث في صَدْره عن حسنة واحدة بها يتأسّى ويعلّق لُمْتُه لَوْم حَاكِم مُتَجَبّر على فِعْلِه ودعوته للتّوبة عن صنيعه واستحضرتُ له ما حفظتُ من "جماعة الدّعوة والتبليغ". في الاستغفار والإرشاد والهدَاية وأوحيتُ إليهِ السّبيل الأقوم ألاّ ينظرَ في وَرَقَةِ امتحان إلاّ ودفتر أعداد الامتحان السَّابق أمامه يُضيف إلى الجديد عَدَدًا أو يُنْقِصُه، وكفى الله الأساتذة شَرَّ الإصلاح وما فيه مِنْ تعب.
كان الفراغ يملأ أوقات فراغنا فَرُغْنَا إلى أركان من المعهد نُعمّرها، فجلسة في التلاميذ وضعف مهاراتهم وغلق أذهانهم وقِلّة قَبولِهم، وجلسات في السّياسة وفي الدّين والاجتماع، ومحاورات طويلة تتنَاطَح فيها رؤوس تَعَبَّأت بِكلّ عِلم قديم وحديثٍ.
وأهدى لنا الفراغُ ضَالَّتنا ويَسَّرَ لنا ما كان مفقودًا فصرنا كَبْشَيْنِ ونَعْجَةً نجتمع في قسم من الأقسام الخالية لزمن طويل . وكنتُ أدفع الأستاذة دفعا خفيًّا إلى الحديث في الحياة وفي العائلات لعلَّها عَنْ خاصّةٍ تخبِرُ فقلتُ :
- أمَا حَكَى لَكِ هذا السّقيم مَا كان قد فعل بي؟ لقد عاقبني أليما لم يَفْعَلْه بي أبي يوم كنتُ طائشا في شبابي وفي صِغَرِي...
فنظرَ إليها أخي كأنّه يردّها عن تكلّم، فضحكت وقالت :
- لقد حَكَى لِي حَكْيَ النّادم. وما فعل ذلك إلاّ فعل الأخ النّاصِحِ. وما أدري أيّكما كان يلزّ الآخر للّهو والعبث. أنتَ أم والد بِنْتَيَّ؟
فقال :
- وهل مُنْتَصِحٌ كهذا؟ ما عَلمتُ فيه منذ صِغَرِي إلاّ السّوء والطيش واللّعبَ.
فقلتُ :
- إنْ أسَأْتُ فلِنفسي، وإليكَ أنا مُحْسِنُ. ومَا ضَرَّ يوم في شهر، ذاك إذا وَفَيْتُ بِمَا عَاهدتُ...
فقال :
- هَبْ أنّك في عَبَثك قد عَمَيْت أو تكسّرتَ فمن إليه أسْتَنِد؟
فوجدتُ في قوله مَغْنَمًا وإليها سبيلاً فقُلْتُ وقد غَمَزْتُ بطرفِي أخي :
- شرّ النّاس من ظَلَّ إلى النّاس يستندُ. ينظر في نفسه فَيَرَى عيَاء وقلّة حِيلة وذهاب قوّةٍ، فترتاح النفس تُلْقِي على ظهر غيرها الأعباء وظنّت أنّها مِنها تسلم، وتركب الخوف ويزعجها الحاضر ويُرهبها المستقبل.
نظر إليّ ذلك الأحول نظرة مَنْ رأى في الكلام سَوْقًا لِمَكْر، فقال :
- إنّما العجز في الصّدر، يرقد فيه الوسواس. يحدّثه بالقصور، ومتَى كان له فيه التّمكينُ أفرغ في ذلك الصّدر الرُّعْبَ والتهويل والذّعْرَ فيُخيِّل لصاحبه أنّه ناقصُ رِجْلٍ أو مبتور يَدٍ، فما حَوَّلَ عيْنًا إلى أُفُقٍ إلاّ رأى فيه أهوالا وشرورًا تأتيه فيغمض عينه ويُقَيِّدُ يَدَه ويحتمي بظهر غيره.
وأَعْجَبَتْنِي مِنْ أخي لفظة "التّمكين" تلك، ووددتُ لو أحاط جندَه بها فلا مهرب مِنْ حُكم (مُرشِد الإخوان) إلاّ بالسّمع والطّاعة. وحدثتني نفسي بأنّ أخي لو عَرَفَ بعض طُرق استفادة (الإخوان المسلمين) من مكر وخبث وكذب الشيعة الإثنا عشرية في حَمْلِ النّاس على ظنّ الخير في ظاهر ما يُعلنون ويُبْدون وإخفاء شَرِّ ما يُسِرّون وما يُبْطِنون لَحَمَلَها على الإيمان بما تبطن تلك الجماعات فتركت ظاهرا لتُعَرِّيَ بَاطِنا فنسلم جميعا من لفّة ودورة وخُدْعَةٍ. فقلتُ لها :
- وما أخبار والد البِنْتَيْنِ كما قلتِ؟ فما عين رأته منذ زمن. واشتقنا مِنه نسمع. وإذْ خَلاَ مِنه مجلسنا خَلاَ الحديثُ من شعر ومِن غَزَلٍ ومِن عاطفة...
كانت لفحاتٌ مِنْ برد مُنْتَصف شهر ديسمبر قد بدأت تشوي الأنوف والوجوه وبَدَا صقيعها يقرص الأنامل. نَهَضَتْ الأستاذةُ فاستقام عودها فرأيتُ لِأوّل مَرَّةٍ لحْمَ سَاقيْها، لحما كَادَ يحمرّ وينضج تحت لِبَاسٍ غَطّاهُ وحَمَاهُ سنينَ طويلة مِن أعين ومن شمس ومن أرْيَاح. وسَرّحَتُ النّظر أطلبُ مَا فَوْقَ فَصَدَّنِي ثوبٌ آوَى إليه ما تحت الرّكبتين بقليل خليعًا يلتصقُ بمعصية أو كبيرةٍ. ولولا حياءٌ كاذبٌ مَنَعَنِي لَأَحْصَيْتُ بعض شعيرات في السَّاقِ استعصى نَتْفُها على اللاّصق المُزيل أو الملقاط. ورأتْ مِنّي ذلك وغفلتني وتغافلت. ثمّ نزعَتْ سُترة فكشَفَتْ عن زِنْدَيْن رقيقيْن رَاوَغَتْنِي عيني تريد أكْلَهُمَا فعَصَيْتُها بِالتمهّل ورَوَّضْتُها بالاختلاس.
نهضت فاستقامت ونزعت سُترة وجلست وأشارت إلى آثار ضرب. عروق زرقاء من المَنْكبيْن إلى أسفل الكتفين وبقايَا آثار عَضَّةِ نَابٍ وقالت :
- تلك آثار الآداب الرومنسيّة والأشعار الغزلية والأقوال البديعيّة في الحبّ والعاطفة والهوى. وما انْطَفَأت زُرْقَةٌ في ظهري إلاّ لِتظهَر أخرى في فخذي أو في كَتَفِي...
وحمدتُ الله كثيرًا أنّي ألْجَمْتُ لِسَانِي إذ كادَ مِنّي ينفلت كأنّما يرجو مقاما في الظهر وفي الفخذ، فكوّرتُ ذلك اللّسان ورميتُ به أسفل حَلْقي فلا يعبث. وقال أخي :
- يقول المثل الفرنسي : لا تُضرب المرأة ولو بوَرْدَةٍ. وهل تُضرب الوردة بوردة. ولكنّ العاقلة من صبرت وصابرت دفعا للخراب وإن أوذِيَتْ وحِرْصًا على العائلة وإن أُهِينَتْ ولم تُكْرَم.
فقالت :
- وهل صبرٌ كصبري...(وكادت تتبسّم). كنتُ أيوب في ذلك وإن شئتَ أضفتَ إليه يعقوبَا.
فقال أخي :
- وتلك محنةٌ كمِحنةِ الصّالحين في حَمْل رسائلهم وتبليغها. احتمال أعْبَاء وتحمّل أثقال ونفس طاهرة تُغَذِّي الفضيلة أخلاقها وتجَمِّلُ أفعالها وتحكم خطاها بالتّجلّد فترسم في تلك النّفس المكارمَ والمحاسنَ والفضائل و...
فقاطعتْه الأستاذة :
- وهل من الأنبياء امرأة؟ لقد سمعتُ مِنه أوّل حياتي ما أكادُ أرى مِنه في حديثك الآن...وربّما ذاك الذي قد كان غَرَّرَ بي وأهلكني...أتعتقد أنّني ما زلتُ تلك الفتاة؟ أهدّئ من روعه فيغضب، وأُمَنِّيه بِالطبّ فيكفر، وأُطمْئنه فيضربني...وحتّى إذا غسلتُ أطرافي كاد يسألها هل لأحد مِنَ النّاس تتهيّأُ. وإذا كَبُرَ عليَّ المقت والأذى فتألّمتُ ورجوتُ الطّلاق بِالقتل يُهَدِّدُنِي...لِخمْسٍ...بلْ لِسَبْعٍ ما رأيتُ سِوَى غبن يلحق به غَمٌّ يدفعه نَكَد. يحصرني في البيت كالمذنبة وما طريقي إلاّ لِمَعْهَد. وحتّى رَاتِبِي ضربَ عليه حجزا وحجرًا لقرض من البنوك في منزل بَنَيْنَاهُ. ورَاتِبُه للأمراض والخمر. وما رغب في أمر مِنّي إلاّ رغّبته فيه وانبسطتّ له كالأرض وأزهرَ له جسدي ونوَّرَ فَمِي واشتاقَ جِسْمِي للعراء يَجري فيه الماء أو تُصَبُّ فيه قَطرة من حياة ولكنْ صدّه عنه العجز وقهره المرض فتركض النّقمة في صدره ويشتعل الحقد، وللنّاس بعضُ ابتسَامِهِ ولي وَحْدِي سَبَابُه وشَتْمُه ومُرُّ المعاشرة. فأيّ ذنْبٍ أتيْتُ فأحمل أصفاده في عُنُقِي وفي لِسَانِي وفي يَدِي وفي أرْجُلِي؟!
أوشكت عيني تنام سَرَحَتْ في زنْدِها وفي فخذيها وابتعدت تمرح في مَا بينهما، فاستفاقت للأصفاد في عنقها. وقد كنتُ أصْغِي إليهما ولا أتحدّث فعرفتُ زيغها عن أخي، وشجّعتني على أسَاهَا ابتسامَتُها تلك التي كادت عليها شفتاها تنفرجُ فقلت :
- لقد حَمَّلْتِ نفسكِ ذنوبًا لو أحْصيتها فاقت أسماء الله الحسنى بواحد. لقد ألْقَيْتِ بنفسكِ إلى التهلكة. ذنوب لعلّ أيْسَرَها السّباحة في غير الماء والنظر في المسائل بالحياء والتفكير بالفضيلة والثواب والجزاء وغلق الأبواب بالخوف وقطع الطّريق بالذرائع والتوهّم. أتُسْقَى الزهورُ بماء السِّبَاخ؟
فقطع أخي عن كلامي الطّريق :
- لا تُنَبِّهي إليه مُصْغِيَة ولا تفتحي له أبواب مُفكّرة فإن فعلتِ سمعتِ من الذنوب ألْفًا، فإنّه حَفّارٌ لذلك قلاّعُ حجارة رَدَّادُ مناقب وإحسان للهوى. فما النبل والكرم والفضل والحُسن والشِّيَمُ إلاّ في سِقَايَةِ ناكر وإطعام جَاحِد أو كافر فقد يؤخذ المُسيء بالإحسان والفضيلة والصّبر...
واحتدّت المحاورة بيني وبين أخي يحدّثها عن الرّوح ويُحَبِّبُ إليها الأخلاق ويثير فيها الفضيلة ويرغّبها في التضحية ويزرَعُ فيها مُجْتَهِدًا المكارم والإحسان والأمل والرّجاء. وأُحَمِّشُ تحتها النّار أحرق طِينَتَها الأولى وأْلهِبُ مَفَاصِلَها وأشعِلُ أركانها وأنفخ فيها من وَهَج نزقها وشبقها وأسوّي نظرها علّها تقع سَاجدة للعزم والمجابهة والتحمّل والمخاطرة دفْعًا لحاضر بَائس يائِس وطَرْدًا لبلاء لم تكن سَبَبًا فيه وتحقيقا لحياة ورغبة من الوجود في التّدارك والإصلاح وسَعْيًا إلى إعطاء الجسد حقًّا استحقّه وتأسيسًا للذّات وما يصدرُ عنها من خير وشرّ ورهبة ورغبة وشهوة ومَنْع كَيْ لا يكون الخَلْق بَاطِلاً وعَبَثًا، فقلتُ :
- أَملاَئِكة هذا الخلق،هذا البشر؟ لاَ يطمعون ولا يطعمون ولا يمشون في الأسواق؟
فتبسّمتْ بِفَمٍ يكادُ يُغري وضحكت عيناها وتهلَّلَ وجهها، وما أدري أكانت ابتسامتها لي أم لأخي. ثمّ التفتت إلى ذلك الأعرج ذي الفم العريض الذي لا ينطق إلاّ عن هَوَى وقالت :
- خبرتُ أسلوبَك في التحرير وأعرفه وقرأتُ ما كتبتَ فما ذاك القول في الأزمنة؟
فقال :
- أعني أنّ العمر ساعة عابرة، وخير ما فيها رَعْيٌ في أرض القيم النبيلة وسعي في بَذل فضيلة و...
لقد شحّت بئرُ أخي عن ماء فلم يكن يجد فيها إلاّ طينًا معجونًا بالفضيلة وأخواتها مُرَشّحًا بالتضحية وعَمّاتها، فأشاحت بوجهها عنه قليلا فاغتنمتُ ذلك الكنزَ، وقلتُ :
- دَعي الرّعْي والمَرْعَى والخِراف والخرافة. لا ريْبَ أنّ أخي يقرأ الحياة بما كنت قد سَمِعتِ في شبابكِ. فلا تشربِي كأس الحياة بخياله. أتُؤْخَذُ الحياة بالخيال؟
وكاد أخي يغضبُ مِنّي. وتكرّرت ابتساماتها وزادت وتحوّلت ضَحِكًا. وقالت :
- وكيف تتحقّق الأزمنة أو غيرها أو الأشياء الأخرى؟
فعرفتُ أنّها لا تعني الأزمنة وإنّما تشير بذلك إلى الأشياء الأخرى فقلتُ :
- أغلبنا يمشي بقامة مُنحنية إلى الوراء مستقيمة زاويتها إلى الأرض نصف التسعين. فرأس تطيح على قفاها وخصر يتأرجح ورِجل فى الأرض مغروسٌ قدَمُها وأخرى لا تلمس التراب معلّقة وتلك أزمنتنا : جسد لا يستقيم. فقالت :
- وكيف يستقيم لي هذا الجسد؟ أو كيف أستقيم أنا لهذا الجسد؟ ما أعرف أيّ معنى هو الأصحّ ؟
فقال أخي وأظنّه عرف من الكلام قصدي :
- هذا أوّل عهد لي برأي صحيح مِنه (ولمْ يشأْ أن يذكُر لي اسما) ثمّ رَاوغ من جديد وقال :
- هَبِي أنّ الله تعالى لم يخلق الجنّة ولم يخلق النّار، وقال عِبَادِي ألا فعبدوني. فهل في الخلق مِنْ عَابِد غير الفاضل!
فقالت :
- ما عن ذاك أنا أسأل.
فقلتُ :
- لا يستقيم إلاّ بالمعالجة كالحاضر لا يُبْنَى إلاّ إذا تحقّق النظر في مستقبل وعُمِلَ له وتهيّأت له الجهود والآلات. فما الحاضر سوى بُرهة يزحمها المستقبل ويطردها ويغمرها في الماضي. ومن رأى آتيه عَاشَ حاضره واستقام له جسده. فَهَيِّئِي له وتَهَيَّئِي يَسْتَقِمْ لكِ.
وأردتُ أنْ أُرْضِي أخي فقلتُ :
- كُلٌّ يعملُ لِمستقبلِ.
فتبسّم أخي مِثلها ولكن بِفَكَّيْ تمساح غاضب كان يضحك. وأردت ألاّ أمْهِلَها فَعَجَّلْتُ بما تعيش أمَثِّلُ :
- إنّ الأشجار ربّما إذا قُطِعَ منها غُصْنٌ خَلَّفَ، وإذا قُصَّ فَرْعٌ ربّما غيره نبتَ وإذا زُبِرَ عُودٌ غيره ظَهَرَ فهل سَاقٌ إذا قُطِعَتْ خَلَّفَتْ وهل يَدٌ إذا بُتِرَتْ غيرها نَبَتَتْ...إنّ الأعضاء في الإنسان لا تنبتُ ولا تُخَلّفُ . كذلك مَنْ زَبَرَهُ المَرَضُ...
فقالت (وقد نظرت في وجه أخي) :
- حقًّا إنّ الأعضاء لا تنبتُ...بل لعلّ أهمّها إذا مَاتَ مَاتَ و لا يُسْتَنْبَتُ...ما رأيتُ نعْشًا عَادَ بِرَاكِبِه...
وبَدَا على الأستاذة الارتياح ومشت في وجهها الابتسامة العريضة كوردَة تَبَلَّلَتْ فتفَتَّحَتْ. ثمّ فتحتْ مِحْفَظَةً فإذا كتاب "القانون في الطبّ" وقالت لأخي :
- هذا وغيره وأوسع مِنهما وكثيرٌ أرجو دواءً لِدَاءٍ فما جَرَى دم في عِرق وما تحرّك نِضْوٌ فهل أطلبُ له سحْرًا يُحْيِيه...وهل أموت لموتٍ ما كنتُ سَبَبًا فيه؟!
فقال أخي :
- بل تأكل الأيّام مَا أسرعها تأكل الأعمار أَكْلاً...
فقلتُ :
- بل تأكل الأيام عمُرَ مَنْ يطمئن إلى حاضره ويرضى كبهيمة الأنعام تفرح وترضى بِما يقدّم له سيّدٌ فاجِرٌ من عَلَفٍ.
وكادت الأستاذة تهمّ – همّ يوسف لامرأة العزيز – بخلع ما تحت سترتها، وفتّحتْ أزْرَارًا عن ثغر لنَهد به أوزار، وأطلقَتْ نفسا طويلا كالوهج من أعماق حرَّى ثمّ قامت واستوت ونَفَّضَتْ يديها وحرّكت رأسها كطائر ينفض عن ريشه الماء، وأزاحت شَعْرًا تَدَهْدَى على عينيها وشدّت على خصرها كالناهض من نعاس وفصَلت نظرها عن أخي وفتّحت عينها لي ثمّ نظرت إلى باب المعهد المُوصَد وخطت خطوتين إلى الأمام وقالت : " سأفتحه وما بي حاجة إلى حَارِسٍ يُساعِدُني". وانصَرفَت مبتسمة ضاحكة كأنّها لم تبتسم قطّ ولم تضحك أَبَدَا.
ونظر إليّ أخي نظرة ما فقهتُ لها معنى فتغافلتُ عن نظره ثمّ قال :
- حقًّا لو كانت الأعضاء تُسْتَنْبَتُ لقطعْتُ هاتيْن السّاقين القَصَبَتَيْنِ...لو تنبتُ غيرهما...فهلاّ أَنْهَضْتَنِي؟ ونهضنا ومسكتُ يَدَ أخي فإذا هي كالثّلج أو أبرَدَ. وغَادَرْنَا المعهد تركت الأستاذة بَابَه مُشَرَّعًا.
*****

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق