الأربعاء، 4 يوليو 2018

*** قصة بعنوان على قيد الانتظار : بقلم : ريحانة الشام مريم كباش

*** قصة بعنوان على قيد الانتظار :
=====================
تسير بخطىً شغوفةٍ في الممّر المحاط على جنبيه بعرائش الياسمين الشّامي والشّجر الأخضر كفراشة تراقص النور والزّهور .. في مسيرها عيناها متجهتان للأعلى نحو السّماء وعلى شفتيها ابتسامةٌ باهتةٌ حزينة , تمشي ولا تعير انتباهاً لأحد , لا يهمها من حولها , تسير بعينيها مع الغيوم التي تراقب خطواتها , بينها وبين السّماء سرٌّ جميلٌ لا يعرفه البشر , تشعر برجفةٍ في نبضها كلما اقتربت وضياع توازنٍ في خطوتها , تميل مع ميلان الورود التي تعاطفت معها وهي تهمس لها بحنان :
- أيتها العاشقة .. نفهم ماتشعرين به ..! وحدها القلوب الدافئة الرقيقة الوفيّة تفهم بعضها ... تصل لذات المكان وتجلس على المقعد الخشبيّ وفي يدها ورقة بيضاء وبيدِ أخرى خبَّأت وردة جوريّة حمراء قطفتها له منذ ثوانٍ قصيرةٍ , تمعن في الورقة .. تقرأ مافيها بحب ولهفة , تمطر عليها قطراتٍ من لآليء مآقيها , تتلفّت يمنة ويسرى تبحث عنه وتتساءل بصمتٍ واستغراب : ترى لمَ تأخر ؟!
تنتظر إلى مالانهاية حبيباً في وطنٍ طال انتظارها له , تقف بعصبية وقلق .. تستدير حول نفسها .. تتأمل سيره الخاطف قادماً كملاك .. تعود بسرعةٍ مجنونةٍ إلى مكانها الذي انطلقت منه , وتعيد الرحلة والإبحار في أملٍ باللقاء ..
بعد مرّاتٍ كثيرة تجلس على الكرسيّ الخشبيّ في انتظار رهيب ..
يمرّ من باب الحديقة رجلٌ وقور , يسير قاصداً ببصره مكانها , يجلس على نفس المقعد , يجول ببصره هنا وهناك , ينتظر مثلها إلى ما لانهاية ابنه الحبيب .. كان يعلم أن أجمل شيءٍ يحبه ابنه في هذه الحديقة هو ذلك المقعد الخشبي , هو الطريق إلى قلبه , وأن من يلاقيها بقربه هي سرّ سعادته , ينظر إلى المقعد بحسرة وشوق وحبّ , يتحدث إليه بصمت .. يذرف دمعتين حارقتين شعر بملوحتهما على شفاهه بعد أن عبرت أخاديد وجهه .. نظر إلى المارّين وروّاد الحديقة ببصر زائغٍ شعر بهم يخاطبونه بصمت تائه مثله .. نظر إليها بأسىٍ وحب , هي من بقيت إلى جانبه تتأمله بعيون رسّام , تدقق في ملامحه فترى في تجعدات وجهه كل أسرار الشّباب من وعود باللّقاء إلى كهولةٍ مدركةٍ لمعنى الحياة , يفهم عليها لغة الصمت , يحييها بعيون اعتذار , تبتسم بدموعها وعيونٍ سكنها الشغف والحب والبؤس ..
تنهض متثاقلة من مكانها تمشي ببطء وحسرة .. تعود من حيث أتت وفي ذاكرتها حبيبٌ بطلٌ يبتسم في صورة عجوزٍ يبكي .. تصل إلى زاوية ذكرى جميلة ومؤلمة معاً .. تدرك أن الأحبة وحدهم يليق بهم الانتظار حتى لو رحلوا بلا عودة , تضمّ الورقة بكلّ قوة أناملها .. تقبلها .. تضمّها لصدرها .. تلفّها بوردتها التي ترويها دائماً من نبع الوفاء .. ثم تهمس للرسالة الحبيبة بحبّ كبير :
- أنتِ القوّة السّحريّة التي تبقيني على قيد الانتظار .
-------------------------------------
بقلمي :
ريحانة الشام مريم كباش

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق